بوابة وحيدة
قصة قصيرة
ناصر الحلواني

وقفَ الأمير على سور مدينته؛ يَمشي بفَخْرٍ، ويذكر حروبًا خاضَها الأجداد، وفي مخيلته أجسادُ جنود منثورة على الرُّبا والسهول المحيطة بمدينته الصغيرة، قاتَلوا دفاعًا عنها، فماتوا دونها، ولَم يَدَعوا لعدوٍّ أن يَهْنَأ بالمرور عبر أسوارهم.

وفي مواطن موتهم نبتتْ أشجار مدهامَّة الْخُضرة، غنيَّة بالثمار والظلال، يراها أيتامُهم وثكلاهم صباحَ مساء، وحين يَأْمن أميرُهم نأْيَ الخطر عنهم يدعوهم إليها، يخرجون عبر البوابة الوحيدة للمدينة؛ يبقون يومهم تحت أشجارهم، يذكرون فداءَ الأحباب، ويُطْعَمون من جناها الحلو، ويَمرح الأولاد، وتَروي كلُّ ثكلى شجرتها ببعضٍ من دموع باقيات، ويعودون.

يبتهج الأمير بحال رعيَّته السُّعداء بالسلام وعَدْله فيهم، وبفَخْرهم بسورهم الحصين، وصلادة بوابتهم الفارهة والوحيدة، ومَحَبَّتهم لأميرهم، القائم على أسوارهم يتفقَّدها، وعلى حياتهم يتعاهَدها.

وذات مساء غابَ قمرُه عن السماء، وغامتِ النجوم في كَنف الفضاء، عادَ الأمير مِن جَوْلته اليومية، يهجع في هدوءِ المطمئن، فيما تطفو أحلامُ الآهلين على سطح الليل كقِطَع من نسيجٍ ذي تلاوين.

وفي الطُّرقات المنورة بحبَّات ضوء خافتة، يَسري شبحٌ، يستتر بالسكون الغامر، وطمأنينة السادرين في منامهم.

يختمر بعباءة سابغة، وفي قَتامتها تبدو لمعة عينين وجلتين، يقترب منَ البوابة السامقة في وحدتها، لا يشعره الحراس القليلون في سُباتهم، يرفع المزلاج الحديدي بيد عاتية القوة، فتنفرج البوابة بقدر ما يمرُّ شعاع ضوءٍ، فما تلبثُ أنْ تنفتحَ بقوة بقدر ما يمرُّ الجيش المتربِّص وألْسنة النار اللاهية في رؤوس مشاعل الغُزاة.

ينجرفون بسرعة، كسيل يسري في مسراه، يضعون نارَهم في كلِّ الفراغات المتاحة بالمدينة، وفي حوائط البيوت المعمولة من أشجار الأحباب، وفي أحلام أمير لَم يُمْهِلوه ليستيقظ، وفي أوصال الشبح المنثورة تحت أقدامهم خلف البوابة الوحيدة.
#Nasser_El_Halawani
#Nasser-El-Halawani

 بواسطة

 Nasser El Halawani