“سر امرأة ميّتة” | للروائي الفرنسي الشهير” غي دي موباسان”

A DEAD WOMAN’S SECRET | Guy De Maupassant

لقد توفيت المرأة دون ألم، بهدوء، كما تموت المرأة البريئة الطاهرة. كانت مسجاة في سريرها على ظهرها. مغمضة العينين، هادئة الملامح، وشعرها الأبيض الطويل المرتب بعناية كما لو كانت قد سرّحته قبل دقائق من وفاتها. كان مُحيا المرأة الميتة الشاحب بأكمله غاية في الدقة، غاية في الهدوء، غاية في الاستسلام بحيث أنه يمكن للمرء أن يحس مدى حلاوة روحها التي كانت تسكن ذلك الجسد، مدى هدوء حياتها التي عاشتها روحها، وكم كان موت هذه الوالدة هادئاً وعذريا.ً

بجانب الفراش كان ابنها القاضي ساجداً. كان صاحب مبادئ لا مرونة فيها، وكانت ابنتها مارغريت تعرف باسم “الراهبة يولالي”. كانا يبكيان كما لو كان قلبيهما سيتفطران. كانت المتوفاة تسلحهما منذ الطفولة بمبادئ أخلاقية صارمة، فتعلمهم الدين، دون ضعف، والواجب، دون مساومة. أما هو، الرجل، فقد أصبح قاضيا وتعامل مع القانون كسلاح يضرب به الضعفاء دون شفقة. وهي، الفتاة، فقد تأثرت بالفضيلة التي غمرتها في هذه الأسرة الصارمة، وأصبحت عروس الكنيسة بفضل كراهيتها للرجل.

لم يعرفا عن أبيهما إلا القليل، وكل ما عرفاه عنه أنه جعل من أمهما أتعس أم، ولم يكن لديهما أي تفاصيل أخرى عنه.

أخذت الراهبة تقبل يد المرأة الميتة بعنف، اليد العاجية البيضاء كصورة المسيح المصلوب الكبيرة الملقاة على الفراش. على الجانب الآخر من الجسد الطويل كانت اليد الأخرى تبدو لا تزال تمسك الصحيفة بقبضة الموت. تلك الصحيفة التي احتفظت بالطيات الصغيرة كذكرى  لتلك الحركات الأخيرة التي تسبق الخلود الأبدي.

يسقط قليل من الضوء على الباب ويجعل الرأسين الذين كانا ينشجان ينظران إلى أعلى، وعاد القسيس الذي حضر للتو من الغداء.  كان أحمر الوجه ومتقطع الأنفاس جراء مقاطعة عملية الهضم عنده، فقد صنع لنفسه مزيجا قويا من القهوة والبراندي للتغلب على الإعياء الذي حدث له في الليالي القليلة الأخيرة  والاستيقاظ الذي كان في بدايته.

كان يبدو حزيناً، كان يبدو عليه ذلك الحزن الذي يظهر على قسيس مصدر رزقه هو الموت. قام بإشارات رسم الصليب واقترب وهو يقوم بإشارات احترافية: ” حسنا، أيها الأطفال المساكين! ها أنا قد حضرت لمساعدتكما في اجتياز هذه الساعات الأخيرة الحزينة”. لكن الراهبة يولالي نهضت فجأة قائلة: ” شكرا لك أيها الأب، لكن أخي وأنا نفضل البقاء لوحدنا معها. هذه هي فرصتنا الأخيرة لرؤيتها، كما أننا نرغب في أن نكون سويا، نحن الثلاثة كلنا، حيث أننا —- نحن — اعتدنا أن نكون عندما كنا صغارا – وأمنا المسكينة”.

لم تستطع المضي في الكلام بسبب الحزن والدموع.

عندما هدأ القسيس ثانية انحنى وهو يفكر في فراشة. “كما تريدان، يا أطفالي”، ثم سجد وقام بإشارات رسم الصليب، ثم اخذ يصلي. نهض وخرج بهدوء وهو يتمتم: ” لقد كانت قديسة!”.

بقوا لوحدهم: المرأة الميتة وطفليها. كان يمكن بوضوح سماع دقات ساعة الحائط التي كانت مخفية في الظلال، ومن خلال النافذة المفتوحة اندفعت رائحة عذبة من القش والغابات، سويا مع ضوء القمر الخافت. ولم يكن هناك صوت آخر يمكن سماعه فوق الأرض باستثناء نقيق الضفادع أو صرير بعض الحشرات في هذا الوقت المتأخر من الليل.  لقد أحاط بهذه المرأة الميتة هدوء لانهائي، كآبة إلهية، صمت تام يبدو كأنه صدر منها ليلطف الطبيعة نفسها.

أخذ القاضي، الذي كان لا يزال ساجدا ورأسه مدفون في ملابس النوم، يبكي بصوت غيّره الحزن وأماتته الملايات والبطانيات: “ماما، ماما، ماما!”. أما أخته الراهبة التي كانت تضرب جبهتها بجنون على الأثاث الخشبي، فقد أخذت تتشنج، تتقلب وترتعش كما لو كانت في نوبة صرع، أخذت تنوح:”يا عيسى، يا عيسى ، ماما، يا عيسى!” .أخذ كلاهما،وقد اجتاحتهما عاصفة من الحزن، يلهثان.

هدأت العاصفة ببطء وبدءا في البكاء بهدوء، تماما كحال البحر عندما يحل الهدوء بعد العاصفة.

مر وقت طويل تقريبا. ثم نهضا ونظرا إلى جسد أمهما الميتة. الذكريات، تلك الذكريات البعيدة، ذكريات الأمس العزيزة، ذكريات اليوم المؤلمة جدا حضرت بكل تفاصيلها الصغيرة المنسية، تلك التفاصيل الصغيرة الحميمة المألوفة التي تعيد إلى الحياة من رحل عنهما. أخذ يُذكّر كل منهما الآخر بالظروف الأخرى، الكلمات، الابتسامات، ترنيمات الأم التي لم يعد بإمكانها أن تتكلم إليهما. لقد رأياها مرة ثانية سعيدة وهادئة. أخذا يتذكران أشياء قالتها، وكل حركة صغيرة  من يدها، ، اليد التي غالبا ما كانت تستخدمها عند التشديد على شيء مهم.

لقد أحباها كما لم يحباها أبدا من قبل. لقد أدركا عمق حزنهما واكتشفا كم سيجدان نفسيهما وحيدين.

لقد كانت سندهما، دليلهما، كل شبابهما، كل الجزء الأفضل من حياتهما الذي كان يختفي. كانت بمثابة الرابط الذي يربطهما بالحياة، أمهما، الرابط الذي يصلهما بأجدادهما، ذلك الرابط الذي سيفتقدانه. لقد أصبحا الآن كائنين منفردين، وحيدين، لم يعد بإمكانهما النظر إلى الوراء.

قالت الراهبة لأخيها القاضي:”أنت تتذكر كيف كانت ماما تقرأ دائما خطاباتها القديمة؛ إنها كلها موجودة هناك في ذلك الدرج. دعنا نقرأ بدورنا تلك الخطابات، دعنا نعيش حياتها كلها طوال هذه الليلة بجانبها! سيكون الأمر كطريق يؤدي إلى الصليب، كالتواصل مع الأم، مع أجدادنا الذين لم نعرفهم أبدا، لكن الخطابات هناك وقد كانت غالبا ما تتحدث عنها، هل تذكر ذلك؟”.

أخرجا من الدرج حوالي عشرة رزم صغيرة من الورق الأصفر، وكانت محزومة بعناية ومرتبة الواحدة بجانب الأخرى . ألقيا بتلك الآثار القديمة على السرير واختارا واحدا منها وكان مكتوبا عليه “الأب”. فتحا الخطاب وأخذا في قراءته.

لقد كان أحد تلك الخطابات من الطراز القديم الذي يجده المرء في أدراج الأسرة القديمة، تلك الرسائل التي تفوح منها رائحة قرن آخر. كانت بداية الخطاب “عزيزتي”، وآخر “فتاتي الصغيرة الجميلة”، وخطابات أخرى بدايتها: “طفلتي العزيزة”، أو “(ابنتي) العزيزة”. وفجأة بدأت الراهبة تقرا بصوت مرتفع، تقرأ على المرأة الميتة تاريخها الكامل، كل ذكرياتها الرقيقة.

كان القاضي الذي كان يسند مرفقه على السرير يستمع وعيناه مثبتتان على أمه. كان يبدو الجسد الساكن بلا حراك سعيداً.

توقفت الراهبة “لولالي” ثم قالت فجأة:

“ينبغي أن توضع هذه الرسائل معها في القبر؛ ينبغي أن تستخدم ككفن وأن تدفن فيها.” ثم تناولت رزمة أخرى لا تحمل اسماً. بدأت تقرأ بصوت صارم:” معبودتي. أحبك بشدة. إنني أعاني منذ أمس من عذاب ذكرانا اللعينة التي تطاردني. إنني أحس بشفتيك على شفتاي، بعيونك في عيناي بصدرك على صدري. أحبك، أحبك! لقد أفقدتني صوابي. وذراعاي مفتوحتان، ألهث، تحركني رغبة جامحة لاحتضانك مرة ثانية. روحي كلها وجسمي يناديان عليك، يريدانك. إنني احتفظ في فمي بطعم قبلاتك—-“.

انتصب القاضي واقفا. وتوقفت الراهبة عن القراءة. خطف الرسالة منها وأخذ يبحث عن التوقيع. لم يكن هناك توقيع على الرسالة سوى هذه الكلمات” الرجل الذي يعبدك،” الاسم “هنري”. كان اسم أبيهما رينيه وليس هنري. معنى ذلك أن الرسالة لم تكن من الأب. عندها أخذ الابن يفتش بيده خلال رزمة الخطابات. وتناول  خطابا وأخذ يقرأه:” لم أعد استطع العيش بدون ملاطفاتك ومداعباتك.”  قام منتصبا وكان صارما كحاله عندما يجلس على المقعد، ثم نظر إلى المرأة الميتة دون تأثر. أما الراهبة التي كانت منتصبة كتمثال والدموع ترتعش في زوايا عينيها فكانت تنظر إلى أخيها، تنتظر. ثم عبرت الحجرة ببطء وذهبت إلى النافذة حيث وقفت هناك وهي تحملق إلى الخارج في الليلة الظلماء.

عندما استدار كانت الراهبة يولالي التي كانت عيناها جافة آنذاك لا تزال واقفة قرب السرير، طأطأت رأسها إلى الأسفل.

خطا القاضي إلى الأمام وتناول الخطابات بسرعة وألقى بها بطريقة فوضوية في الدرج، ثم أسدل ستائر السرير على جسد أمه.

عندما أحال ضوء النهار الشموع التي كانت على الطاولة إلى اللون الشاحب، ترك الإبن الكرسي ذات المسند ودون النظر ثانية إلى الأم التي أصدر حكمه عليها وهو يقطع العلاقة التي وحدتها بابنها وابنتها، ثم قال ببطء:

” دعينا نخرج من هنا أيتها الراهبة.”

___ ترجمة بواسطة:  الأستاذ علي إسماعيل

نتمنى أن تكون القصة المترجمة “سر امرأة ميّتة” | للروائي الفرنسي الشهير” غي دي موباسان”

تصفح المزيد من القصص المترجمة