وراء نظارة مخيلته ،يتابع السيد طه احوال جيرانه ،يراقبها سعاد وهي تعد بكل ماتملك نفسها لتعيش بين احضان زوجها ليلة العمر ،ويراه العم يعقوب وهو يطارد ليله ونهاره محاولا التغلب على دائه العظال ،وكانه يريد ان ينبت من عمره عمرا آخر ، وهناك هنالك بعيدا عن زجاج نظارته ،يحاول طه ايجاد تفسير لخروج ام يحي من بيتها مبكرة وعودتها إليه متاخرة مرهقة ،وكل فجر يستكشف قاصدي مسجد عمر بن الخطاب يكاد يحصي عددهم ،رغم جليد الفجر وريحه النائحة .
اجتهاد طه في توسيع اطار نظارته مكنه اخيرا من رؤية العم حسن وهو يضم سجاده لصدره ،ويقلب ورق مصحفه الكبير الحجم بعيد كل عصر ،ولايزال يطلع على اولائك الاصحاب الذين تجمعهم مدخنة ،و رقصات طائشة، انهم استار الله وحده يلبسون. ثم انه يحاول من خلال نظارته تفسير حنية ذلك المجنون،وهو يحاول صد برد الشتاء بصدره الملتف في بالي الثياب ،ويحول بينه وبين ذلك الصبي المشرق المبسم ،بل ويستفسر عن براءة ذلك الطفل الذي سعد بدفء ذلك الصدر المجنون .وليس ببعيد في مقهى الأمل يجلس طه منفردا يحتسي قهوة بلا سكر ،يسرقه تارة ذلك الشاب الذي يتحدث بصوت مرتفع :هههه حسبتي متيما بها ،الغبية لاتزال تهذي باسمي ولن اتزوج غير صديقتها ،فلست لأقبل بفتاة اتخذتني عشيقا ، وتارة يشده صوت ذلك الشرطي الذي ترتسم على وجهه ملامح الرهبة ،ويقول :ماتت قتيلة خيانتها جثتها تنبعث منها روائح منتنة ،لم نسطع جمع اشلائها… جرجرنا الى السجن في ذات القضية كل الذين اشتبهنا بهم.
أما العجيب الذي افرح طه فمنظر ذلك الرجل الذي يبدو طالب علم، او انه استاذ ،وكانه في خلوة لا يثير انتباهه اي من تلك الاحداث ….
غبار الايام ارهق نظارة طه حين وجهها لذلك الرجل وهو يشق رمس ابيه بيده ،ويسارع في دفنه والصلاة عليه ،الشيء الذي جعله يتمتم باكيا “” واتقوا يوما ترجعون فيه الى الله””

 بواسطة حنين أمنية